السيد محمد تقي المدرسي

34

من هدى القرآن

هدى من الآيات : لكي نؤمن بالآخرة إيمانا عميقا لا بد من المعرفة بالله أولا ، لأنها الدين « 1 » ، والأساس الصحيح الذي تُبنى عليه سائر البصائر والحكم والشرائع ، لذلك نجد السياق القرآني وهو يمضي بنا في التذكرة بالبعث والجزاء ( يوم الجمع والتغابن ) يهدينا إلى الله وأسمائه الحسنى ( الآيات : 1 - 4 ) ، فهو السبوح ، الملك ، المحمود ، القادر ، الخالق ، البصير ، المصور ، إليه المصير ، وهو بكل شيء عليم ، ثم تذكرنا الآيات بالجزاء الذي لقيه الكافرون في التاريخ دليلًا على الجزاء الأكبر في الآخرة ، وأن سبب كفرهم هو الاعتماد على المقاييس المادية في موقفهم من قيادة الرسل ، وكفرهم بالبعث والحساب ، مما يبرر لهم عدم تحملهم المسؤولية في الحياة ، لذلك يؤكد القرآن حقيقة الآخرة وضرورة الإيمان بالله ورسوله والكتاب باعتباره السبيل إلى الصالحات والمستقبل الحسن في الآخرة ، على العكس من الكفر الذي يقود الإنسان إلى بئس المصير في الدارين . بينات من الآيات : [ 1 ] تتصور الفلسفات البشرية - التي تتحدد بالجهل والعجز وضيق الأفق وشح النفس عند الإنسان - العالم الكبير وما فيه من اختلاف وتسابق ركاما من القوى المتناقضة والمتصارعة ، وبالتالي حلبة لصراع الآلهة والشركاء المختلفين ، كلا . . إنما العالم - في القرآن - ينضوي تحت راية العبودية لله . « يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ » هكذا يسبح جميع ما في السماوات والأرض لرب العزة ، لأن كل شيء عارف باستحقاق ربه للتنزيه عن كل نقص وعيب ، فهو وحده الكمال المطلق في ضمير الخلق وعقله . وفعل المضارعة من التسبيح يدل على الاستمرار في التسبيح ، والسبب أن الله تجلى لكل شيء بقدر وعيه ، وأعطاه حسب ما شاء من نوره ، فَوَلِهَ كل شيء بربه وسبَّحه وقدَّسه بقدره . « لَهُ الْمُلْكُ » وحده ، وإنما يملك أحد شيئا بتمليكه إياه ، ومع ذلك يبقى ملكه محدودا ، وملك الله نافذ يسلبه متى شاء . وربنا ليس متصرفا في الأشياء وحسب بل يملكها ويملك شهودها وضميرها ومبدأها ومصيرها ، يملكها دون أن تملك هي منه شيئا ، بعكس البشر الذين لا يملكون شيئا إلا بقدر ما يمتلك منهم ، لأنهم وإياه سواء في حد العبودية والضعف

--> ( 1 ) وفي الخبر : ( أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ] كما في نهج البلاغة الخطبة الأولى .